علم

علم الكونيات Cosmology

نحن نعيش في العصر الذهبي لعلم الكونيات “Cosmology” بسبب التقدم التكنولوجي الهائل في الأعوام الماضية، التقدم الذي قادنا لرؤية الكون كما لم نشهده من قبل، يبدو الكون في غاية الجمال والمثالية ولطالما ألهمت صور السماء الشعراء في كل زمانٍ ومكان، فالكون يبدو كمكان هادئ ومسالم للترحال بين النجوم المجرات، ولكن ليست الحقيقة تماماً كما تبدو فالكون مكان شديد الخطورة على عكس ما يبدو، ولكن رحلةً في الفضاء بين النجوم والمجرات وعبر الزمان والمكان كفيلة بأن ترينا الحقيقة الخفية لهذا الكون.

بدأت الحكاية عندما لاحظ الفلكي الأمريكي إدوين هابل في بداية القرن العشرين بأن الكون ليس ساكناً كما نعتقد ولكنه كان ومازال يتمدد منذ بدايته بالإنفجار العظيم قبل 13.82 مليار عام، وإذا لم تكن تعتقد أن هذا الإكتشاف صادم بما فيه الكفاية فإن فريقاً من الفلكيين إكتشفوا في تسعينيات القرن الماضي بأن تمدد الكون يتسارع بشكل هائل بسبب وجود نوع من الطاقة سُمي بالطاقة المظلمة “Dark Energy” التي تعمل عكس الجاذبية او كجاذبية طاردة “Repulsive Gravity”–الإكتشاف الذي قادهم إلى جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2011.

لاحظ إدوين هابل عندما راقب المجرات الأخرى بأن ضوء هذه المجرات يتعرض لظاهرة تُعرف باسم “Redshift– أو الإنزياح الأحمر” وهي ظاهرة تغير لون الضوء الواصل إلينا وإقترابه تدريجياً من اللون الأحمر- ثم الأشعة تحت الحمرا إذا كان المصدر بعيداً بما فيه الكفاية-ظاهرة “Redshift” هي حالة خاصة من ظاهرة معروفة في الفيزياء باسم “Doppler Effect” والتي تحدث للضوء والصوت على السواء عنما يتحرك المصدر مقترباً او مبتعداً عن الراصد –و الـRedshiftهي حالة إبتعاد مصدر الضوء عن الراصد- وإعتماداً على مبدأ كوبرنيكوس الذي ينص على أن الأرض مجرد كوكب مثل سائر الكواكب وليست مركز الكون فإن تفسير حدوث ظاهرة Redshift هو أن الكون نفسه يتمدد متسبباً في إبتعاد المجرات عن بعضها بعضاً.


إذا ما حاولنا قلب مسار الزمن لنحاول معرفة ماذا حدث في الماضي فإننا سنستنتج بأن الكون كان أصغر حجماً في الماضي وأكثر كثافة وحرارة وإذا استمررنا في العودة بالزمن إلى الوراء فإننا سنصل إلى مرحلة يكون فيها الكون متناهي الصغر وفي غاية الكثافة والحرارة، تعرف هذه الحالة باسم “Singularity” وهي نقطة شديدة الصغر لدرجة أن أبعادها المكانية صفر تقريباً ولا متناهية في الكثافة، في هذه الحالة المتطرفة للكون تنهار معادلات الفيزياء المعروفة ولا نستطيع وصفها بمعرفتنا الحالية، ونشأ الكون من هذه الحالة عن طريق التمدد في جميع الإتجاهات بسرعة هائلة فيما سمي بالإنفجار العظيم.

بعد حدوث الإنفجار العظيم مباشرة كان الكون عبارة عن تجمع هائل الكثافة من الطاقة ذات درجة حرارة خيالية، لم يكن هناك أي من المجرات المعروفة، الكواكب، النجوم ولا حتى الذرات! كان هناك فقط أربع جسيمات أولية، والجسيمات الأولية هي التي تشكل الذرات المعروفة أو تشكل أجزاء الذرات، إثنان من الجسيمات الأولية الأربع يكونان المادة “Matter Particles” والجسيمين الأخرين يكونان ما يُعرف بالمادة المضادة “Anti-Matter Particles”.

الجسيمان الذانيكونات المادة هما الإكترونات “Electrons” والكوارك “Quarks”، نحن نعرف أن الذرة تتكون منالإلكترونات، البروتونات والنيوترونات، فما هي علاقة الكوارك بالبروتونات والنيوترونات إذن؟


يتكون البروتون الواحد من ثلاثة جسيمات من الكوارك، تختلف جسيمات الكوارك بعضها عن بعض بوجود نوعين منها هماUp Quark و Down Quark وإختلاف عدد هذين النوعين داخل الجسيم يحدد إما ان يكون بروتوناً أو نيوتروناً.

في المراحل الأولى من عمر الكون كانت درجة حرارة الكون وكثافته عالية جداً وهذه الظروف لم تسمح للإلكترونات والكوارك بأن تتحد معاً لتكون الذرات الأولى، بل الأكثر إثارة للدهشة هو تأثير المادة المضادة “Anti-Matter” على نشأة الكون في لحظاته الأولى حيث كان هناك جسيمين آخرين هما البوزيترون “Positron” والكوارك المضاد “Anti-Quark”، والقاعدة العامة في فيزياء الجسيمات هي أنه عندما يتصادم جسيم من المادة بجسيم من المادة المضادة فإن كلا الجسيمين يختفيان ويتحولان إلى طاقة هائلة، إستمرت عملية التصادمات هذه إلى أن اختفت كل المادة المضادة من الكون وتبقى القليل من المادة الطبيعية التي تكون كوننا.

استمر حجم الكون في التوسع شيئاً فشيئاً حتى قلت درجة حرارته إلى 10,000 درجة مئوية بعد 380 ألف عام من ميلاد الكون، سمح الإنخفاض في درجة حرارة الكون وكثافته بإندماج الإلكترونات مع البروتونات معلنة ميلاد أول ذرة في تاريخ هذا الكون.. ذرة الهيدروجين.

في الـ380 ألف عام الأولى من عمر الكون كان المكان شديد الكثافة بشكل لا يصدق فحتى الضوء الصادر من تصادم المادة مع المادة المضادة لم تُتح له الفرصة للسفر في الفضاء فكان سرعان ما يصطدم بجسيم آخر من المادة، ولكن بعد 380 ألف عام من ميلاد الكون قلت كثافة الكون لتسمح أخيراً للضوء بالسفر عبر المكان دون حواجز لنتمكن حديثاً من رصد هذا الضوء المسافر في الفضاء منذ ميلاد الكون.


تُعرف هذه الصورة علمياً بإشعاع الخلفية الميكروني أو “Cosmic Microwave Background” وهي صورة لكوننا الوليد بعد 380 ألف عام على ميلاده، ولقد أفادتنا دراسة هذه الصورة في اكتشاف العديد من الحقائق حول الكون مثل التجانس والتضخم وميلاد الكون وشكله الهندسي.



السديم أو “Nebula” هي اجسام في غاية الجمال تتكون من تكتل هائل الحجم من الغاز، بدأ تشكل الأسدمة عندما إنخفضت درجة حرارة الكون بشكل كافي لتبطئ من سرعة تحرك ذرات الهيدروجين وتبدأ بالإنهيار تحت تأثير وزنها لتشكل هذه التكتلات، قد تولد الأسدمة أيضاً بعد موت النجوم الكبيرة وإنفجارها وتشكل أنماطاً غاية في الجمال.


سنة الله في الكون هي أن يموت كائن ليولد كائن آخر والأمر نفسه ينطبق على النجوم أيضاً، فالنجوم تولد وتموت لتعلن ميلاد أجرام أخرى بعد موتها، وتولد النجوم داخل تكتلات الغاز المعروفة بالأسدمة “Nebulas” التي تقع على حواف المجرات في اللأجزاء المعروفة باسم “spiral arms” حيث أن الأجزاء الكثيفة في السديم تنهار تحت تأثير وزنها لتشكل نجماً أولياً “Protostar” له قوة جاذبية عالية هي مصدر طاقته فالنجم الأولي يستمر في التكون إلى أن يبدأ مركزه بإنتاج التفاعلات النووية “Nuclear Fusion” الكافية لتحويل الهيدروجين إلى هيليوم وإنتاج طاقة هائلة –جزء من هذه الطاقة هو الضوء الصادر من النجم، فأضواء النجوم ناتجة من تفاعلات نووية شديدة عن طريق إندماج ذرتين من الهيدروجين لإنتاج ذرة من الهيليوم، تبدأ هذه التفاعلات النووية في الحدوث معلنةً ميلاد النجم، وهكذا شهد الكون للمرة الأولى ميلاد النجوم.. وموتها.

كل شيء يموت، وكذلك النجوم أيضاً، تولد جميع النجوم بذات الطريقة ولكن موت النجوم عملية أكثر إثارة لأن طريقة موت النجوم ومصيرها النهائي يعتمد بشكل أساسي على حجم هذه النجوم.



تشارف حياة النجم على الإنتهاء عندما يبدأ غاز الهيدروجين بداخله بالنفاذ فغاز الهيدروجين هو المحرك الرئيس لحدوث التفاعل النووي الضروري لتماسك النجم ومقاومة إنهياره على ذاته، ولكن عندما يبدأ غاز الهيدروجين بالنفاذ يبدأ التفاعل النووي داخل قلب النجم بالتباطؤ مما يقلل مقاومة النجم لقوة جاذبيته الهائلة فيبدأ النجم بالإنضغاط بشكل هائل تحت تأثير وزنه متسبباً بحدوث تفاعلات نووية أشد قوة من الأولى، وتتسبب هذه التفاعلات في إنتاج العناصر الثقيلة مثل الكربون الأساسي للحياة والحديد وعناصر أخرى، ولكن تنتهي هذه التفاعلات سريعاً مذعنة أمام جاذبية النجم الهائلة لينفجر النجم إما مكوناً سديماً كوكبياً “Planetary Nebula” إذا كان نجماً صغير الحجم، أو مكوناً مستعراً أعظم “Supernova” في حالة النجوم الكبيرة والتي تقذف العناصر الثقيلة التي تكونت في باطن النجم إلى الفضاء بسرعة هائلة لتسمح بإستخدام هذه العناصر في أجرام أخرى، من هذه العناصر معدن الحديد الذي يتكون في باطن النجوم ليسقط على الأرض .


ينتهي السديم الكوكبي كقزم أبيض “White Dwarf” وهو جسم ذو جاذبية عالية، بينما ينتهي المستعر الأعظم “Supernova” إما كنجم نيوتروني “Neutron Star” أو كثقب أسود “Black Hole” على حسب وزن النجم في فترة حياته.


عندما ننظر اليوم إلى الكون فإننا نشاهد كوناً متجانساً، ونعني بالكون المتجانس هو الكون المتماثل في أي اتجاه، أي اننا لو نظرنا في أي اتجاه في الكون فإننا نرى كمية متجانسة من النجوم والمجرات بمعنى اننا لا نشاهد تجمعاً للنجوم والمجرات في اتجاه معين ولا نرى مجرات في اتجاه آخر، هذا ما يُعرف بالتجانس.

الكون متجانس نعم، ولكنه ليس متجانساً بشكل كامل، أي اننا نرى ما يُسمى بـ”آثار عدم التجانس – inhomogeneities remains” وهي ما سمحت لتكتلات الغاز والغبار أن تتكون معلنة ميلاد النجوم والكواكب .


إن سبب حدوث التجانس بشكل يبقي على بعض اللاتجانس هو عن طريق ما يُعرف بالتضخم “Inflation”، التضخم هو حدث غامض تم مباشرة بعد الإنفجار العظيم في فترة عمر الكون من إلى وهو تضخمهائل في المكان حيث توسع المكان بسرعة جنونية أكبر من سرعة الضوء! حدوث التضخم في هذه الفترة من عمر الكون بالشكل الذي حدث به هو ما سمح للكون بأن يكون متماثل ولكن ليس بشكل كامل وهو ما سمح بدوره بولادة النجوم والكواكب.

طبقاً لنظرية النسبية العامة لأينشتين فإن الكون عبارة عن نسيج رباعي الأبعاد يُعرف بالزمكان “Space-time” وهي الأبعاد الثلاثة المكانية بالإضافة إلى الزمن كبُعد رابع يتم التعامل معه رياضياً كأي من الأبعاد المكانية الأخرى، تؤثر المادة على نسيج الزمكان كما يؤثر شكل هذا النسيج على كيفية حركة المادة بداخله، أي أن المادة تتسبب في إنحناء نسيج الزمكان الذي يتسبب بدوره بجذب المادة في اتجاه هذا الإنحناء.


عندما تموت النجوم الضخمة وبعد أن تنفجر كمستعرٍ أعظم “Supernova” قاذفةً بالعناصر الثقيلة في الفضاء، تتحول رفات النجم إلى ثقب أسود ذو جاذبية مهولة فحتى الضوء لا يمكنه الإفلات من هذه الجاذبية، يتكون الثقب الأسود من “Singularity” في المركز و أفق الحدث “Event Horizon” وهي كرة تخيلية تحيط بالثقب الأسود إذا ما دخلها أي جسم فلا يمكنه الخروج منها بأي طريقة لأن سرعة الإفلات من جاذبية الثقب الأسود داخل أفق الحدث أكبر من سرعة الضوء وهو الأمر المستحيل حدوثه فيزيائياً.


حكاية الكون ليست حكاية علمية جافة .



عندما ننظر إلى الفضاء عبر سماء الليل المظلمة فإننا نشهد أربعة عشر مليار عام من تاريخ الكون المسجلة في خلفية الإشعاع الميكروني، وعندما يقع بصرنا على أحد النجوم البعيدة فإننا نرى أضخم المفاعلات النووية المسؤولة عن إنتاج العناصر الكيميائية الثقيلة مثل الكربون والحديد وعندما نشيح بأبصارنا في الفضاء فإننا قد نشهد ميلاد نجم أو موته، ثقباً أسود أو إنفجاراً نووياً قادراً على تدمير النظام الشمسي بكامله، إن الكون لمكانُ شديد الخطورة وليس آمناًوهادئاً للإستجمام كما يبدو من الأرض.

المصادر:

1 2 3 4 5 6 7 8

About سندباد مصري

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.